سبعة وعشرون عاماً من الخطب الملكية بمناسبة عيد العرش تراكمت لتشكل أرشيفاً موازياً لتاريخ المغرب الحديث. خطاب هذه السنة، الذي ألقاه الملك محمد السادس نصره الله مساء الأربعاء 29 يوليوز2026، يختلف عن سابقيه في نقطة جوهرية: غياب النبرة الاحتفالية بالماضي رغم مناسبتها الطبيعية، لصالح نبرة أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة.
هذا الفارق في اللهجة ليس تفصيلاً أسلوبياً. يأتي الخطاب قبل أقل من شهرين من موعد انتخابي مفصلي، إذ حددت الجهات الرسمية تاريخ 23 شتنبر 2026 لإجراء الاستحقاقات التشريعية والجماعية، وهو ما يمنح كل كلمة في الخطاب بعداً سياسياً إضافياً يتجاوز القراءة الاحتفالية المعتادة.
أرقام تسند الخطاب قبل الرسائل
نسبة النمو الاقتصادي بلغت نحو 4,9 بالمئة سنة 2025، مع توقعات ببلوغ المعدل نفسه أو تجاوزه خلال 2026. الموسم الفلاحي الجيد، المدعوم بتساقطات مطرية مهمة بعد سنوات من الجفاف المتكرر، ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي. هذه المعطيات الاقتصادية تشكل الأرضية التي بُني عليها الخطاب، قبل الانتقال إلى الرسائل السياسية.
الإشارة إلى دخول المغرب “نادي التكنولوجيا الحديثة” عبر صناعات الطائرات والسيارات والطاقات المتجددة، إلى جانب الأمن السيبراني والبطاريات والصناعات الغذائية، ترسم صورة اقتصاد يحاول الانتقال من موقع المنفذ إلى موقع المنتج للتكنولوجيا، وهو تحول يحتاج تأكيداً ميدانياً متواصلاً أكثر من حاجته لتكرار الإعلان عنه في كل مناسبة رسمية.
الانتخابات كأداة تسريع لا كمحطة تغيير مسار
الرسالة الأكثر دلالة في الخطاب تتعلق بموقع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ضمن المسار العام للدولة. الطرح الملكي يضع المشاريع الاستراتيجية، من التغطية الاجتماعية إلى إصلاح الصحة والتعليم ومشاريع السيادة المائية والطاقية، في خانة الخيارات الوطنية الثابتة التي تتجاوز الزمن الحكومي وتتقدم على نتائج صناديق الاقتراع نفسها.
هذا التموقع يحمل رسالتين متزامنتين: طمأنة المستثمرين وأصحاب القرار الاقتصادي بأن التغيير الحكومي المحتمل لن يُربك الأوراش الكبرى، وفي الوقت نفسه تحديد سقف واضح لهامش المناورة السياسية المتاح أمام أي حكومة قادمة، أياً كان تشكيلها الحزبي.
استقرار مؤسساتي في محيط متقلب
الدعوة إلى الحفاظ على الاستقرار السياسي والمؤسساتي، ووصفه بـ”رأس المال الاستراتيجي”، تكتسب معنى إضافياً حين تُقرأ في سياق إقليمي مضطرب: أزمة الهجرة الأخيرة عبر سبتة، التوترات الأوروبية حول ملفات الحدود، والتحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية. المغرب يقدم نفسه كجزيرة استقرار نسبي في محيط يتسم بالتقلب، وهي ورقة تسعى الدبلوماسية المغربية لاستثمارها في علاقاتها مع الشركاء الغربيين والأفارقة على حد سواء.
سؤال التنزيل يبقى مفتوحاً
القيمة الفعلية لأي خطاب رسمي لا تُقاس بمضمونه وحده، بل بمسافة التنزيل بين الإعلان والتنفيذ. المغرب يملك تجربة متراكمة في هذا الصدد: مشاريع كبرى تحققت في آجالها، ومشاريع أخرى تأخرت لأسباب مؤسساتية أو تمويلية. الحكومة المقبلة، أياً كانت طبيعتها بعد شتنبر، ستكون الجهة المطالبة بترجمة سقف الطموح الذي رسمه الخطاب إلى برامج قابلة للقياس على أرض الواقع.
